ثقافة عامة

كيف تحوّل مبنى البيضة إلى قلب بيروت النابض

في قلب بيروت الحديثة، حيث تبرق واجهات الأبراج الزجاجية وتلمع أحجار المباني المعاد ترميمها، يقف مبنى وحيد، غريب المظهر، كجرحٍ مفتوح في ذاكرة المدينة. إنه مبنى “البيضة”، أو “سينما السيتي سنتر” كما عُرف في زمنه الذهبي ولعلّ أبرز ما يميّز هذا المشروع هو أنه كان يُعتبر أول مركز تسوق (مول) يُبنى في الشرق الأوسط

ليس مبنىً عادياً، بل هو نصب تذكاري صامت لحلمٍ لم يكتمل، ولكابوسٍ رفض أن يغادر

حلم الستينيات

    • في أواخر الستينيات، كانت بيروت تُلقّب بـ “باريس الشرق الأوسط”. كان مشروع “السيتي سنتر” يمثل ذروة هذا الازدهار. صمّمه المهندس جوزيف فيليب كرم ليكون مركزاً تجارياً وثقافياً فريداً من نوعه في المنطقة، يضمّ مجموعة من المحلات والمطاعم، وسينما “غومون بالاس” التي عُرفت بقبّتها البيضاوية الفريدة. كانت “البيضة” حينها رمزاً للحداثة، وتجسيداً لرؤية جريئة للمستقبل. لم تكن مجرد سينما؛ كانت وعداً ببيروت مزدهرة لا تتوقف عن النمو.
    • لكن هذا الوعد لم يكتمل. بعد سنوات قليلة من افتتاحه، وتحديداً مع اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975، توقف كل شيء.

من صالة سينما إلى ثكنة حرب

سرعان ما تحوّلت “البيضة” من مركز ثقافي إلى نقطة عسكرية استراتيجية. موقعها المطلّ على ساحة الشهداء، جعلها هدفاً ثميناً للقناصين والميليشيات. تحوّلت المقاعد المخملية داخل السينما إلى حطام، وامتلأت الجدران بآثار الرصاص والشظايا.

بعد انتهاء الحرب، ورغم كل مشاريع إعادة الإعمار ، بقيت “البيضة” معلقة في فراغ زمني . الخلاف بين ورثتها والمطوّرين العقاريين حال دون إزالتها أو ترميمها، فبقيت واقفة كشاهدٍ صلب على حربٍ لم تُحلّ عقدتها بعد.

البيضة , أيقونة الثورة

هذا هو الجزء الأهم من قصة “البيضة”. ففي 17 تشرين الأول 2019، عندما انفجر غضب اللبنانيين ضد الطبقة السياسية، تحوّلت “البيضة” من مجرد أثر معماري إلى قلب ينبض بالحياة. احتضن المبنى المحتجون، وحوّلوه من “مسرح حرب” إلى “مسرح للثورة”.

فجأة، عادت “البيضة” لتؤدي دورها الثقافي، لكن هذه المرة بأصوات وأجساد الجيل الجديد. أصبحت قاعتها المكسّرة منبراً للمحاضرات والنقاشات السياسية. استضافت ورشات عمل فنية، وعروضاً موسيقية، وحتى حفلات رقص صاخبة. لقد أعاد المحتجون للمبنى وظيفته الاجتماعية التي حُرم منها لعقود، ولكن بطريقتهم الخاصة.

في ذلك الوقت، تحوّلت جدرانها المليئة بثقوب الرصاص إلى لوحات فنية للغرافيتي. كانت كل خدش فيها وقذيفة ضربتها هي جزء من قصة المدينة، وقرر الفنانون والناشطون ألا تُنسى.

ندبة لا نريدها أن تشفى


اليوم، لا تزال “البيضة” تواجه تهديد الهدم. ولكن بالنسبة للكثيرين، هي أكثر من مجرد مبنى. إنها رمز لصمود بيروت، وقدرتها على تحويل الألم إلى فن، والخراب إلى أمل.

هل يجب ترميمها؟ هل يجب هدمها لبناء مركز تجاري جديد؟ قد تكون الإجابة الأصدق أنها يجب أن تبقى على حالها. فهي في شكلها الحالي، بنقصها وندوبها، تمثل شهادة صادقة على تاريخنا. إنها “ندبة” لا نريدها أن تشفى بسرعة، لأنها تذكير دائم بأنّ ما حدث لا يجب أن يُعاد، وبأنّ روح المدينة الحقيقية لا يمكن أن تُبنى بالزجاج والرخام فقط، بل تنبض في قلوب أبنائها الذين لا ينسون.

زر الذهاب إلى الأعلى