أخبار فنية

عزت مزهر , حين يتحدث الحجر

يُقال إن الفنان لا يكتشف الفن، بل يكتشف نفسه في الفن

في سيرة النحات اللبناني عزت مزهر، تتجلّى هذه الحقيقة بشكل لافت. لم يكن مزهر مجرد نحات يطوّع الحجر، بل كان حكواتيًا يروي قصصًا عميقة . إن مقاربته الفنية ليست مجرد مهارة، بل هي رحلة روحية بدأت منذ طفولته بين صخور قريته الصغيرة في حارة الناعمة

حوارٌ بين الفنان والحجر

تتداخل نشأة عزت مزهر في قريته الصغيرة مع فلسفته الفنية التي آمن بها. لقد كانت الصخور التي شكلت أساس بيوت قريته وتفاصيل حياتها اليومية، مدرسةً أولى لعينيه وذهنه. في مذكراته، يتحدث مزهر عن هذا الإلهام الأول قائلاً: “ومع كل تلك الصور والأحداث الجميلة … كنت أمضي الساعات الطوال أراقب وأتأمل مشدوها متسائلاً … هل أن تلك الرسوم والأشكال موجودة ومنذ القدم داخل تلك الصخور؟”

تحول هذا التساؤل الطفولي لاحقًا إلى قناعة عميقة وفلسفة فنية: التماثيل لا تُصنع، بل تُكتشف. إنها تختبئ داخل الحجر، والفنان ليس سوى من يحررها من صمتها.

تظهر هذه الفلسفة بوضوح في أعماله. مثلاً منحوتته “لا حياة لمن تنادي”، تجسّد وجهًا مُتألماً ، كأنه يصرخ من داخل الصخر ليُسمع صوته . الفنان لم ينحت الصخر، بل نحت الصرخة التي لم يُجب عليها أحد. إن عنوان العمل ذاته “لا حياة لمن تنادي” يجعلنا نشعر أن هذا الوجه ليس مجرد شكل، بل هو روحٌ محاصرة تحاول كسر قيود الصخر لتصرخ بألمها.


مسيرة فنية عابرة للقارات

على الرغم من دراساته الأكاديمية في الديكور ببيروت والفنون والنحت في فرنسا، لم يتقيد عزت مزهر بأسلوب واحد. لقد كانت نشأته الريفية بمثابة بوصلته الفنية، التي قادته نحو تطوير رؤية خاصة تجمع بين الحداثة والتعبيرية، وتستلهم من المواد الخام أصالتها. لم يكن مزهر نحاتًا يختار مواده، بل كان الحجر والخشب والبرونز هي من اختارته ليتحدث بلسانها، ويمنحها حياةً جديدة.

تميزت مسيرته الفنية بعبورها الحدود، حيث شارك في أهم المعارض الفنية في العالم، مؤكداً أن الفن اللبناني قادر على الوصول إلى العالمية.

في أوروبا، كان مزهر حاضرًا بقوة، حيث شارك في معرض القصر الكبير في باريس عام 1973، وهو أحد أبرز المعارض الفنية العالمية. وامتدت رحلته الفنية إلى لندن وإيطاليا وإسبانيا. وفي آسيا، وصل فنه إلى طوكيو ، مما يعكس مدى تأثيره ووصوله إلى ثقافات مختلفة.

وعلى الصعيد العربي، كان مزهر سفيراً للفن اللبناني، حيث شارك في فعاليات ومعارض مهمة في كل من سوريا، الأردن، العراق، السعودية، الإمارات، المغرب، وإيران. كانت هذه المشاركات بمثابة جسر ثقافي، يعزز من تبادل الخبرات الفنية ويؤكد عمق الروابط الثقافية بين الدول العربية. كما امتدت مسيرته إلى السودان والولايات المتحدة الأمريكية، مما يؤكد أن لغة النحت التي يتحدث بها مزهر هي لغة إنسانية عالمية حقًا.

إرثٌ فنيٌّ ومسيرةُ عطاء

لم يكتفِ مزهر بكونه فنانًا،فقد شغل منصب أستاذ في الجامعة اللبنانية منذ عام 1975 , كما كان نائبًا لرئيس جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت، وعضوًا في اتحاد النحاتين الفرنسيين والجمعية العالمية للفنون التشكيلية (AIAP)، مما يدل على مكانته المرموقة محليًا ودوليًا.

حصل عزت مزهر على العديد من الجوائز وشهادات التقدير من مؤسسات عريقة مثل الجامعة اللبنانية والمؤسسة العربية للثقافة والفنون. إن إرثه الفني لا يقتصر على أعماله النحتية، بل يمتد ليشمل مسيرة عطاء في التعليم والتنظيم الثقافي، تاركًا بصمة خالدة في تاريخ الفن اللبناني.

للاطلاع على هذا الإرث الفني الغني، يمكن زيارة متحف عزت مزهر الذي يقع في منزله بقرية الناعمة في قضاء الشوف، وهو مدرج ضمن قائمة المتاحف الوطنية في لبنان. هذا المتحف يتيح للزوار فرصة فريدة للغوص في عالم الفنان واكتشاف أعماله عن قرب.

ويمكن للمهتمين التعمق أكثر في مسيرة الفنان وفلسفته من خلال اقتناء كتاب “لبنان عزت مزهر” (Le Liban de Ezzat Mezher) الذي يوثّق جزءًا من أعماله ويقدم رؤى إضافية عن مسيرته الإبداعية.

زر الذهاب إلى الأعلى